أحمد بن علي القلقشندي

238

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الحمد للَّه الَّذي صرّف أمرنا في أشرف البقاع ، وشرّف قدرنا بملك ما انعقد على فضله الإجماع ، وعرّف أهل طيبة الطَّيبة كيف طلع البدر عليهم من ثنيّات الوداع ، وأمدّها بوديّ صغّر للتّحبّب وإلَّا فهو واد متدفّق الأجراع . نحمده على نعمه الَّتي أغنت مهابط الوحي عن ارتقاب البرد اللَّمّاع ، وارتقاء النظر مع بدره المنير إلى كلّ شمس سافرة القناع ، ونشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة تخمد من الضلال ما شاع ، ومن البدع ما استطار له في كلّ أفق شعاع ، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله أشرف من أنفت به حميّة الامتناع ، وألفت بنا سنّته أن ترعى لأهلها ولا تراع ، وعصفت ريحها بمن يمالي دينه فمال إلى الابتداع ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين ليس في فضل أحد منهم نزاع ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإن الاهتمام بكلّ جهة على قدر شرفها ، وعلى حسب الدّرّة الثمينة كرامة صدفها ، والكمامة بثمرها ، والغمامة بمطرها ، والهالة بما يجلو الدّجى من قمرها ؛ والمدينة الشريفة النبويّة لولا ساكنها ما عاجت إليها الركائب ، ولا ناجت حدائقها غرّ السّحائب ، ولا وقفت بتأرّج شذا الرّوضة الغنّاء بها الجنائب ، ولا بكى متيّم دمن العقيق بمثله من دم ذائب ، ولا هاج إليها البرق متألَّقا ، ولا هام صبّ فيها بظبيات سلع والنّقا ( 1 ) ، ولكنّها مثوى النّبوّة ترابها ، ومهوى الرّسل جنابها ، ومأوى كتاب اللَّه الفسيح رحابها ؛ دار الهجرة الَّتي تعالت شمس الشريعة بأفقها ، وتوالت سحب الهدى من بين أبيرقها ( 2 ) ، وهي ثانية مكَّة المعظمة في فضلها إلَّا ما ذهب إليه في تفضيلها على مكَّة مالك بن أنس ، ومنها انبعثت للهدى نوّارة كلّ نور وشعاع كلّ قبس ، وكانت لنبيّ هذه الأمّة صلَّى اللَّه

--> ( 1 ) سلع : جبل بسوق المدينة . ولم نعثر على مكان باسم « النقا » وفي معجم البلدان : النقاب ، بلفظ نقاب المرأة ، موضع في أعمال المدينة . والنقا لغة هو القطعة من الرمل محدودبة . ( 2 ) الأبيرق : تصغير الأبرق ، وهو مكان غليظ فيه حجارة ورمل وطين مختلطة .